أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

153

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ الأنفال : 29 ] ، أي نورا يفرق بين الحق والباطل ، وقال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ الأنعام : 122 ] ، وقال تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] ، وهذا النور الذي يكشف الأمور هو نور الواردات المتقدمة الذي هو مطايا القلوب إلى علام الغيوب . أولها : نور وارد الانتباه : ومن شأنه أن يكشف ظلمة الغفلة ، ويظهر نور اليقظة فتحكم البصيرة بقبح الغفلة وحسن اليقظة ، فيقبل القلب حينئذ على ذكر ربه ويدبر عما يغفله عن ربه ، وهذا هو نور الطالبين . الثاني : نور وارد الإقبال : ومن شأنه أن يكشف ظلمة الأغيار ويظهر بهجة المعارف والأسرار ، فتحكم البصيرة بضرر الأغيار وحسن الأسرار ، فيقبل القلب على بهجة الأسرار ، ويدبر عن ظلمة الأغيار ، وهذا هو نور السائرين . الثالث : نور وارد الوصال : ومن شأنه أن يكشف ظلمة الكون ورداء الصون ، ويظهر نور تجليات المكوّن ، فيقبل القلب على مشاهدة مولاه ، ويدبر عن الالتفات إلى ما سواه ، وهذا هو نور الواصلين ، وهو نور المواجهة ونور ما قبله نور التوجه ، وإن شئت . قلت : هو نور الإسلام والإيمان والإحسان . فنور الإسلام يكشف : ظلمة الكفر والعصيان ويظهر نور الانقياد ، والإذعان ، فتحكم البصيرة بقبح الكفر والعصيان ، وحسن نور الإسلام والإذعان ، فيقبل القلب على طاعة ربه ويعرض عما يبعده من ربه ، ونور الإيمان يكشف : ظلمات الشرك الخفي ويظهر بهجة الإخلاص والصدق الوفي ، فتحكم البصيرة بقبح الشرك وضرره وحسن الإخلاص وخيره ، فيقبل القلب على توحيد ربه ، ويعرض عن الشرك وشره ، ونور الإحسان يكشف : ظلمة السوى ويظهر نور وجود المولى ، فتحكم البصيرة بقبح ظلمة الأثر وحسن نور المؤثر فيقبل القلب على معرفة مولاه ، ويغيب بالكلية عما سواه ، وإن شئت قلت : هذا النور هو نور الشريعة والطريقة